
تقدم الوقت يا وليدي إنهض وتعوذ من الشيطان
صباح الخير (يمّـة) ، الصباح أصبح والصبح تنفس و أنا طوال الليل أصارع تلك الملفات والأوراق ، أنظري يمّـة لتلك التي فوق المكتب .. !
أعلم يا بني أنك تتعب ، تتعب ، تتعب ، وترهق نفسك ، سنوات هى ، أرجو أن تنقضي وتذهب بسرعة و أراك مطمئناً ومرتاح البال
إيه يا يمّـة ، أين نحن من ذلك اليوم ، الله يحيينا ، لا حول و لا قوة إلا بالله
دقائق فقط :-
كل جمعة يتكرر هذا الموّال
اليوم هو يوم الجمعة ، عوّد أحد الأقارب نفسه على زيارتنا فى هذا اليوم من كل إسبوع دائماً أراه بحالةٍ يرثى لها حالة تقطع شرايين القلب
الملابس معطنة رثة متسخة «الشماغ» الأحمر بلا ألوان معدوم الرؤية والترابيع.. الوجه مرهق مُترب مُتعب مسوّد ..!
عندما يدخل إلى الديوان سرعانٍ يتجه جهة المركة التى فى الزاوية ليتكأ عليها ، مادداً رجليه , باسطاً ذراعيه ، مشعلاً سيجارته
مستقبلاً هواء النسناس الذى يأتيه من الباب والشبّاك ..!
لا يتعدل في جلسته إلا فى حين تناول الإفطار معنا
حينما ينته من تناول الإفطار , يعود ليشعل سيجارته ، يكحف بشكل لا يتصوّره أحدكم ..
لم يبقَ له فى هذه الحياة سوى السجائر , أو بصحيح المعنى , لم يختر رفيق درباً سواها.. !
يُشاهد الفضائيات بملل دون كلل وما تعرضه القنوات الاخبارية أولاً بأول , أنا ووالدي نفترش الصحف بجانبه.. !
بعد ذلك يقف والدي ليذهب حيث يكون المسجد ، مبكراً قبل حتى الآذان
ويبقى ذلك الزميل الذى غدرت به الدنيا والأحباب والأقارب ! ، جالساً بجانبى نتابع الأخبار بهدوء وصمت وسكينة ملفتة للأنظار..
يذهب إلى دورة المياة ثمَ إنه يتوضأ عند أول تكبيرةٍ للمؤذن , ثم إني ألحقه لأتوضأ أنا الآخر
ومن ثم نخرج سوياً متجهين إلى المسجد المقابل من منزلنا لنصلى صلاة الجمعة..
نأت فنجلس جلستنا الصامتة نحن الثلاثة , إلى أن يحين وقت الغداء , فيتعدل زملينا مرَّةً أخرى ليسمي على الأكل..
ثم بعد فإنه يعود لصديقته التي نخرت عظامه: السيجارة و «استكانة» الشاي هى الأخرى .. !!
ينته منهما ، يتمدد أكثر , فأكثر , إلى أن ينسدح ثم يغط فى قيلولة عميقة.. !
يذهب أبو علي ليأخذ قيلولته هو أيضاً , وأستمر فى مجالسة الصمت والهدوء مع زميلي العاثر
هذا وبعد أن أغطى أشلاءه أو بالأحرى ما تبقى منها بغطاء ثقيل جداً حتى يحميه من النسناس .. !
أولع زقارتي وأتفكر , وعيناي تنظر إليه وهو مسدوح , وأحدثنى عنه وعن أحواله وأوضاعه الميئوس منها .
عمره يقارب الـ 60 .، أي ما يُعادل ضعف عمري ، يقطن في «خرابة» , هى أشبه بـ الحاوية الكبيرة
يستعيش على ما يتلقاه من مساعدات الأقارب الزهيدة , المسكين حتى زواج لم يتزوج .. !
هو يُعتبر ضحية أوائل التسعينيات بعدما تم تسريحه من عمله فى وزارة الدفاع..
هو لا زال حتى الآن بلا عمل ، بلا زواج بلا بيت ، بلا حياة كريمة نظيفة عفيفة.. !
لا أدري لما حضرتى كتبت عنه ، ربما لأنه لم يأتِ حتى الآن , حتى وإن جاء , فـ السيناريو والأكشن أعلاه سوف يتكرر اليوم
مثلما تكرر فى الإسبوع الماض وما قبله.. !
مهلاً مهلاً.. هاهو يطرق الباب فيأهلاً ويامية ألف سهلاً !




0 التعليقات:
إرسال تعليق